الإثنين , 20 نوفمبر 2017
العربيةFrançaisEnglish
الرئيسية > اقتباسات > تعرف على “الجحيم” أول صحيفة هزلية

تعرف على “الجحيم” أول صحيفة هزلية

بسم الله الرحمن الرحيم هذا المقال نشر أولا على موقع فضاء أحمد حمدي

يتوخى الكاتب في هذا البحث أن يقوم بتسليط بعض من الأضواء الكاشفة على واحدة من أهم الصحف الجزائرية التي سلكت، في خطها الافتتاحي، أسلوبا انتقاديا لاذعا، واستعراضا هزليا كاريكاتيريا  لموادها الإعلامية، ونحت في ذلك منحى أدبيا واضحا، شمل النص النثري إلى جانب النص الشعري، الأمر الذي أهلها أن تكون الصحيفة الهزلية الأدبية الأولى في تاريخ الصحافة بالجزائر.

lake-of-fire

تلك هي صحيفة “الجحيم” التي جعلت من نفسها جحيما يلفح خصومها السياسيين والعقائديين، ويفضح مناوراتهم، ويكشف مؤامراتهم، ويهتك أستارهم، كما استهدفت عبر صدورها في هذا الطابع الانتقادي القيام بالرد على معارضي ومنتقدي “جمعية العلماء المسلمين الجزائريين”، وتقديمهم في صور كاريكاتيرية غاية  في الفكاهة والهزل.

يتم استعراض كل ذلك عبر مقاربة ترمي إلى إبراز دور ووظيفة هذه الصحيفة الرائدة في تاريخ الصحافة العربية الجزائرية، وتاريخ  الحركة الوطنية، كما ترمي إلى التعرف على ظروف نشأتها، ومحاولة تحديد مؤسسيها وكتابها وصحفييها والتعريف بهم.

تزداد أهمية البحث في تفاصيل هذه الصحيفة لكونها مازالت مجهولة عند ذوي الاختصاص ناهيك عن الجمهور العريض،  بل ويكاد يطويها عالم النسيان،  حيث أنها لم تحظ بالتعريف حتى  في المقالات الصحفية السيارة فما بالك بالدراسات والبحوث الأكاديمية سواء الأدبية منها أو الإعلامية، وبذلك صدق فيها وصف الشهيد محمد الأمين العمودي(1)، وهو أحد مؤسسيها الرئيسيين، بالمرحومة(2) هذا دون أن نغمط بعض الإحالات الغامضة من هنا وهناك حقها في الإشارة إليها،  إضافة إلى  المقال الذي نشره الشاعر محمد الأخضر عبد القادر السائحي في صحيفة ” المجاهد الأسبوعي” الذي ساهم بشكل كبير  في استحضارها من عالم النسيان.

لقد اطلعت أثناء بحثي حول جذور الخطاب الأيديولوجي الجزائري عبر صحافة الحركة الوطنية، على اسم هذه الصحيفة الغريب والدال مباشرة على أنه ديني من جهة  ونقدي وهزلي من جهة ثانية، ومن ثمة حاولت الحصول عليها، ففي البداية عثرت  عليها في ميكروفيلم، بالمكتبة الوطنية، ثم بعد ذلك مكنني الأستاذ مراد العمودي نجل الشهيد محمد الأمين العمودي، من الإطلاع على أعدادها الكاملة،  وبناء على هذه النسخة أعددنا هذه الدراسة التي تتبع الخطوات التالية بعد المدخل:

ـ الإطار التاريخي للصحيفة

ـ الخط الافتتاحي

ـ المعالجة الصحفية
الإطار التاريخي للصحيفة

تأسست “جمعية العلماء المسلمين الجزائريين”(3) يوم 5 ماي 1931 بعد أن تهيأت لها شروط التأسيس عقب سنوات المخاض التي طبعت العقود الثلاث الأولى من القرن العشرين، حيث كانت الدعوة لها عبر صحيفتي “المنتقد” و”الشهاب”  للشيخ عبد الحميد بن باديس(4) إضافة إلى إرهاصات أخرى عبر صحيفتي “الإصلاح” و”صدى الصحراء” وشكل تأسيسها والتفاف علماء الجزائر حولها الرد القاطع على احتفالات القرن المخلدة لغزو الجزائر سنة 1930 وكانت هذه الاحتفالات قد بلغت من الغطرسة والغرور واستفزاز مشاعر الأمة حدودا لا توصف.

لعب الشيوخ عبد الحميد بن باديس ومحمد البشير الإبراهيمي(5) ومحمد الأمين العمودي وغيرهم من العلماء دورا معتبرا في هذا الصدد حيث ركزوا جهودهم، إضافة إلى التربية والتعليم، على الصحافة والنوادي الثقافية والفرق الفنية والرياضية، ونذكر أن صحف “جمعية العلماء المسلمين الجزائريين” قد عانت معاناة شديدة من القمع، ففي غضون سنة واحدة، تم توقيف ثلاث صحف هي:

ـ السنة النبوية المحمدية، صدر منها 13 عددا من 10 افريل إلى 03 جويلية 1933

ـ الشريعة النبوية المحمدية، صدر منها 07 أعداد فقط من 17 جويلية 28 اوت 1933

ـ الصراط السوي، صدر منها 17 عددا من 11 ديسمبر 1933 إلى 08 يناير 1934

ومن الجدير بالذكر أن الجزائريين كانوا على علاقة سيئة بالصحافة ، فقد عرفوها أول ما عرفوها أداة فتاكة في يد الاستعمار، مع بداية الغزو وبالضبط ابتداء من يوم 25 يونيو 1830 حيث أصدرت القوات الغازية والتي استقدمت معها مطبعة صحيفة Estafette D’Alger كما تعرفوا على ثالث صحيفة في العالم باللغة العربية، وأولها بالجزائر، وهي صحيفة “المبشر” التي صدرت ابتداء من يوم 15 سبتمبر سنة 1847 وعنوانها يدل على محتواها التبشيري .

غير أنه وابتداء من صدور القانون الذي صار بعرف بقانون حرية الصحافة بتاريخ 29 جويلية 1881 بدأت بعض المبادرات والمحاولات المحتشمة لإنشاء صحافة جزائرية،  بحيث ما إن حل القرن العشرين حتى كانت الحركة الصحافية الجزائرية قد استكملت شروط تأسيسها، لتصبح بعد فترة وجيزة أداة لتنوير الرأي العالم وشحذ الهمم وإيقاظ الحس الوطني، وقد برزت في هذا الاتجاه عدة صحف نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر صحف “الرشيدي” لجماعة الجزائر الفتاة و” ذو الفقار” للشيخ عمر راسم و” الإقدام ” للأمير خالد، ومنذ سنة 1925 يبدأ الشيخ بن باديس في نشاطه الصحفي بتأسيس صحيفة ” المنتقد ” ثم ” الشهاب “.

غير أن تأسيس “جمعية العلماء المسلمين الجزائريين” سنة 1931 لم يمر هكذا دون أن يستثير حفيظة الاستعمار الذي قام بكل ما في وسعه، وعمل على انشقاق هذه الجمعية الفتية وبالفعل فقد قام جماعة من  الطرقيين بالانشقاق عليها(6)، وأسسوا (جمعية علماء السنة) يوم 12 سبتمبر 1932 إضافة إلى عدد من الصحف التي انضمت  بحماس إلى نشر خطاب هذه الجمعية المنشقة، مثل صحيفة “النجاح” (1920 ـ 1956) وصحيفة “البلاغ الجزائري” (1926 ـ 1947) .

قامت هذه الصحف بحملة كبيرة للهجوم على “جمعية العلماء المسلمين الجزائريين” وفكرها الإصلاحي، وتكررت تلك الهجمات في ظل صمت تام من قبل “جمعية العلماء المسلمين الجزائريين”، خاصة وأن الشيخ بن باديس لا يحب هذا النوع من المهاترات، بل يعمل كل ما في وسعه لتوحيد فكر الأمة.

في هذه الأثناء أسس الطرقيون صحيفة انتقادية هزلية بعنوان ” المعيار” اختصت في القدح والتهجم على “جمعية العلماء المسلمين الجزائريين”، وركزت في انتقاداتها على الشخصيات الفاعلة فيها والتدخل في حياتهم الخاصة، ولم تتورع في التعريض حتى بالأسر والعائلات، ونزلت إلى مستوى منخفض من الإسفاف، وتعتبر هذه الصحيفة هي السبب المباشر لظهور صحيفة “الجحيم” .

رسمت  “الجحيم “  هدفا واضحا هو التصدي لصحيفة “المعيار” والرد عليها، خصوصا بعد اقتناع بعض العلماء بدور ومفعول هذا النوع من الصحافة الذي يشد انتباه القراء من خلال النكت والأسلوب التهكمي والتصوير الكاريكاتيري للأشخاص، ومن ثمة يؤثر عليهم في أحكامهم ورؤاهم ، لذلك بادروا بإصدار هذه الصحيفة التي جعلت حروف عنوانها متكونة من الأفاعي والعقارب التي يزخر بها الجحيم، والهدف من كل ذلك واضح وجلي تماما هو الرد بكل قوة على الصحافة الطرقية ومقارعتها بالأسلوب الذي يفهمونه، حتى تسكت وترجع عن غيها.

ولا بد من التأكيد هنا على أن قيادة جمعية العلماء لم تأمر بإصدار هذه الصحيفة(7) بل كانت مبادرة من الشهيد محمد الأمين العمودي ومحمد السعيد الزاهري(8) وحمزة بوكوشة(9) ومحمد الصالح خبشاش(10) وحتى يؤكدوا بأن صحيفتهم مستقلة كتبوا في افتتاحية العدد الأول التي أمضاها “رئيس الزبانية” ما يلي:

( كان سيدنا عبد الله بن عباس “ض” جالسا في مجلس ينشر العلم، فشتمه أحد الطغمة الرعاع، فسكت عنه ابن عباس، ولم يجبه، ولكن أحد الحاضرين قام إلى هذا الشاتم المعتدي بصفعه وجلد به الأرض ، فاستحسن سيدنا عبد الله بن عباس هذا الدفاع وقال : ” ليس بعزيز من ليس في قومه سفيه”

وقد ظهر في هذه الأيام رهط ينتسبون إلى الجنس البشري وهو يتبرأ منهم. هؤلاء الخنازير اتخذوا الشتم وثلب الأعراض حرفة وقذف أهل العلم والفضل بضاعة روجوها رغم الأزمة التي كسدت بسببها البضائع الأخرى.

وقد أسسوا ورقة عفنة سموها “المعهر”(11) وهي حقيقة معهر من أقذر وأنجس المعاهر وكتبوا في تلك الورقة ما أطربوا به بعض السفهاء أمثالهم، وما خوفوا به بعض الجبناء، وأيقنوا أن الجو خلا لهم وأن بلاد الجزائر لم يبق فيها إلا من يناصرهم أو يهابهم، وليس فيها من يحاربهم أو يلعنهم أو ينتقدهم وهكذا شأن اللئيم يزيده سكوت خصمه جراءة ولا يقبل إلا اليد التي تصفعه.

وقد أسسنا هذه الجريدة المباركة الطاهرة النقية العفيفة النزيهة لا لغرض سوى الانتقام للفضيلة والدفاع عن الأعراض البريئة وتطهير قطرنا العزيز من الجراثيم الخبيثة التي انبتها فيها الطمع وحب الرئاسة والتكالب على جمع الأموال الطائلة وتحصيل الألقاب الهائلة. وسنذيق أهل الزيغ والكفر والعناد أضعاف ما اعتدوا به على السادة الأبرياء من عباد الله) (12)

وهكذا فإن الاستشهاد بحادثة عبد الله بن عباس، والمبادرة  بلجم المعتدي واستحسان بن عباس ذلك، يشير إلى أن إنشاء صحيفة “الجحيم” إنما هو مبادرة خاصة، وليست بقرار رسمي من مكتب “جمعية العلماء المسلمين الجزائريين”، ومهمتها هي ردع وتأديب المعتدين، وفضح وكشف لسان حالهم صحيفة “المعيار” التي صارت في لغة “الجحيم” تحمل اسم “المعهر”.

 

ويروي السائحي في مقاله سالف الذكر تفاصيل تتعلق بمكان وظروف طباعة هذه الجريدة كما يلي:

( إن جريدة الجحيم كانت تطبع في مطبعة بن باديس ليلا بقسنطينة دون علمه. وأن العمال يقومون بذلك خارج أوقات عملهم، وفي سرية تامة لأن الشرط الأساسي بينهم وبين أصحاب الجريدة هو أن لا يعلم الإمام بذلك.) (13)

ويبدو للباحث المتأني أنه من الصعوبة أن يخفى عن بن باديس ذلك، وهو المعروف بذكائه الوقاد، وحنكته السياسية البارعة، وقدرته التنظيمية الفائقة، وبصفة عامة فقد اطلعنا، كما أشرنا سابقا،على الأعداد الكاملة لهذه الصحيفة النادرة، والتي لم تتجاوز سبعة أعداد، صدر أولها يوم 30 مارس 1933 وأما بقية الأعداد فقد تضمنها الجدول التالي:

العدد

تاريخ صدوره

الأول

الثاني

الثالث

الرابع

الخامس

السادس

السابع

30 / 03 / 1933

05 / 04 / 1933

13 / 04 / 1933

20 / 04 / 1933

27 / 04 / 1933

04 / 05 / 1933

11 / 05 / 1933

ووفقا للجدول أعلاه نلاحظ أن هذه الصحيفة قد صدرت في حدود فترة زمنية قصيرة  جدا، أي ما بين مارس وماي سنة 1933، وهي السنوات الأولى التي كانت تكافح فيها “جمعية العلماء المسلمين الجزائريين” على عدة جبهات، وخاصة على جبهة تحدي السلطات الاستعمارية التي راحت تصادر صحفها الناشئة الواحدة تلو الأخرى، كما أسلفنا،  قصد لجمها وعرقلتها عن أداء  مهام  التعبئة وتجنيد الرأي العام الجزائري لتحقيق النهضة الوطنية.

وعند تصفح أعداد هذه الصحيفة تبين أن أسماء كل محررها أسماء مستعارة، وعادة ما تشكل كناية تحمل دلالات محددة، تزيد من ضراوة “الجحيم”، ما عدا صاحب امتيازها جوكلاري محمد الشريفJuglaret (14)، وهو شخصية لها دور بارز في تاريخ الصحافة الوطنية، فهو فرنسي الأصل اعتنق الإسلام في مدينة بسكرة، وصار يسمى بمحمد الشريف، ونظرا لكونه يحمل الجنسية الفرنسية يحق له أن يمنح من قبل السلطات الفرنسية حق امتياز إنشاء  الصحف وفقا لمقتضيات القانون الفرنسي، وبهذه الخاصية نجد اسمه في واجهة العديد من الصحف الإسلامية.

أما هوية وأسماء كتاب ومحرري جريدة  “الجحيم”، فكلها تتم تحت إمضاءات مستعارة نذكر منها:

ـ رئيس الزبانية، وهو كاتب الافتتاحيات

ـ كنايات أخرى مثل : هامان، مسرور، مراقب، شبيب، الراوي، شاعر الزبانية، الفحل، الكواي، فرعون، بودفرة.

ونشير إلى أن السيد إبراهيم غرافة، وهو أحد المنتمين لحزب الشعب الجزائري، وأصله من وادي ميزاب، قد جعل من محله مركزا لتوزيع الجريدة فور وصولها من مدينة قسنطينة، واسمه لا يظهر على صفحات الجريدة.

ويروي السائحي(15) في مقاله المذكور عن المرحوم الشيخ حمزة بوكوشة أن محمد السعيد الزاهري ومحمد الأمين العمودي ومحمد الصالح خبشاش وحمزة بوكوشة نفسه هم المؤسسون لصحيفة “للجحيم” وخاصة منهم محمد الأمين العمودي ومحمد السعيد الزاهري، وأن هذا الأخير ـ حسب السائحي دائما ـ هو رئيس الزبانية، وأن الفحل وبودفرة هما شخص واحد ألا وهو الشهيد الصحفي المترجم محمد الأمين العمودي.

وقد نشرت صحيفة ” الجحيم ” للشيخ محمد البشير الإبراهيمي، والشاعر محمد العيد آل خليفة(16) حسب شهادة بوكوشة.

فقد نشرت للأول مقطوعة بعنوان ( أنشودة العجان) في عددها الرابع، ومن ضمن ما جاء فيها:

بروحي وما روحي علي رخيصة

فتى من جبال الوحش قد جاور الوحشا

فأصبح صلب العود والطبع جافيا

يقبـح رأي النـاس، إن قبحوا الفحشا

ليـالي تقضـت كلما مر ذكرها

ببـالي أنسـاني الوظيـفـة والعـشا(17)

ونشرت للشاعر محمد العيد مقطوعة بعنوان (كبول خدع الناس) في العدد السادس، من ضمن ما جاء فيها:

رفع الستر عن مخازي بن آلي     فهي شتى، أمامه ووراءه

خـدع الناس بالإمامـة لكـن     كشـف الله خبثه ورياءه(18)

ونشير إلى أنها توقفت بعد صدور عددها السابع بتاريخ 11 ماي 1933 حيث حققت الغاية من صدورها وهي إسكات صحيفة “المعيار”.

 

الخط الافتتاحي

يتشكل المبدأ الأساسي  للخط الافتتاحي لصحيفة (الجحيم) من المبادئ العامة لسياسة “جمعية العلماء المسلمين الجزائريين” التي تقف بكل قواها في مجابهة ومواجهة المشعوذين والطرقيين،  والتصدي لمحاولات الاستعمار التبشيرية، غير أن تلك المبادئ قد أثارت حفيظة الطرفين: الطرقيين من جهة، والسلطات الاستعمارية من جهة أخرى، حيث تعرضت لنقد شديد من قبل “جمعية علماء السنة ” التي على ركزت على أن “جمعية العلماء المسلمين الجزائريين” إن هي إلا حركة وهابية دخيلة، هدفها زعزعة إيمان العوام، والقضاء على مقومات الإيمان التقليدي الذي حفظ وصان الشخصية الجزائرية على مر العصور وكان الملجأ الآمن للجزائريين في كل أوقات الشدة، وهكذا وجدت “جمعية العلماء المسلمين الجزائريين” نفسها أمام  هذه الهجمة الشرسة، التي استهدفت مبادئها أسسها الفكرية ، أما من حيث الواجهة الإعلامية فقد وجد أعضاؤها أنفسهم أمام سيل جارف من الهجومات الضارية والتجريح المشين.

وعلى ضوء هذا الواقع الحرج، فإن سياسة جريدة “الجحيم”  ينبغي لها أن توازن بين مبادئ “جمعية العلماء المسلمين الجزائريين” الإصلاحية، ومقارعة التهجمات المتعددة والانتقادات المغرضة، باللغة التي يفهمها أصحاب هذه الحملة، ولا شك أن خيطا رفيعا ظل يفصل بين خطاب الجمعية الرسمي الهادئ المتزن، وخطاب “الجحيم” الجارح الهجومي والذي لا يترفع عن استعمال التعابير العامية ولغة الدهماء، وعنف السوقة(19).

وقد عبرت صحيفة “الجحيم”عن سياستها والهدف من إنشائها في افتتاحيتها الأولى ” كلمة أولى .. أما بعد” الممضاة باسم مستعار هو رئيس الزبانية، حيث كتبت :

( أسسنا هذه الجريدة المباركة الطاهرة النقية العفيفة النزيهة لا لغرض سوى الانتقام للفضيلة والدفاع عن الأعراض البريئة وتطهير قطرنا العزيز من الجراثيم الخبيثة التي أتنبتها الطمع وحب الرئاسة والتكالب على جمع الأموال الطائلة وتحصيل الألقاب الهائلة وسنذيق أهل الزيغ والكفر والعناد أضعاف ما اعتدوا به على السادة الأبرياء من عباد الله)(20)

وقد وضعت لها  شعارا هو ” جريدة حرة  مستقلة تدافع عن الشرف والفضيلة  ..تقوم بتحريرها  نخبة من الزبانية.. شعارها: العصا لمن عصى”

المعالجة الصحفية

لم تضع صحيفة ” الجحيم ” في حسبانها الجوانب الفنية والتقنية للكتابة، فهي صحيفة ساخرة وليست صحيفة معلومات ولا صحيفة رأي، بل صحيفة هزلية تنزع إلي النتف والفكاهة والصور الضاحكة، حيث تتكون من أربع صفحات على حجم “الطابلويد” ومحتوياتها تتكون كالتالي :

ـ الافتتاحية

ـ القائمة السوداء

ـ صحيفة السيئات

ـ نكت “القوم”

ـ مشاهير ” السينية”(21)

ـ في عالم المطبوعات

ولا تغرنك جدية العناوين فكلها هزل في هزل ، ومثلما قدمنا نموذجا  من مقالاتها الافتتاحية، إليكم نموذجا من تعليقاتها الساخرة التي تستهدف الشيخ محمود كحول(22) الذي نصبته فرنسا مفتيا على الجزائر:

( مقاومة .. “كحول “

هذه الكلمة رأيناها مكتوبة بالقلم العريض على إعلانات كبيرة ألصقت بالجدران، ونحن لا ندري هل هذه الكلمة محرفة عن قولهم: مقاومة الكحول والمسكرات. أم أن الذين ألصقوا هذه الإعلانات وعلقوها على الجدران يريدون “مقاومة كحول ” وهذا المعنى لا يصح إلا إذا اعتبروا أن هذا الشخص هو مرض من الأمراض الأخلاقية الوبيئة, وأنه آفة من الآفات الاجتماعية التي يجب على الناس أن يقابلوها بكل مقاومة وكفاح كما يقاومون الكحول والمسكرات.

قد أخذنا الحقيقة من مصدرها الرسمي وعلمنا أن الأصل هو مقاومة “الكحول” التي هي أم الخبائث وأن هناك جماعة تسعى في تأسيس جمعية أخرى لمقاومة “كحول” الذي هو أبوها..)

وعلى ضوء ما سبق نأمل أن نكون قد سلطنا بعض الأضواء الكاشفة على هذه الصحيفة النادرة، التي حرصت على أن لا يصدر على صفحاتها ذكر لأي كاتب باسمه الصريح، ما عدا اسم صاحب الامتياز، ولهذا يصبح من الصعب على الباحث أن يحدد من هم أصحاب المقالات خاصة، وأن العمودي والزاهري يتشابهون كثيرا في الأسلوب، والثقافة الشعرية، ومتانة اللغة، والاغتراف من معين شعبي واحد.

الهوامش
ــــــــــــــــــــــــ

(1)   شاعر وصحافي شهيد من مواليد وادي سوف بالجنوب الجزائري سنة 1892 حيث تعلم مبادئ العربية والفرنسية .. اشتغل كاتب عدل ـ ترجمان شرعي ـ وكيل شرعي ـ رئيس جمعية الوكلاء ـ أمين عام “جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ” ـ رئيس جمعية شباب المؤتمر، ساهم بشكل كبير في الصحف الصادرة  بالجزائر  ما بين الحربين- اصدر جريدة La Défense بالفرنسية سنة 1934 إلى سنة 1939- كما ساهم بأكبر قسط في إصدار جريدة  “الجحيم ” بالعربية, نشر في صحف “النجاح “و “الإصلاح” و “صدى الصحراء” و “الشهاب” و “الإقدام ” بالفرنسية . ولم يتوان في دعوة الشباب إلى الثورة عند اندلاعها الأمر الذي جعل المستعمرون يختطفونه ويسلطون عليه أقسى أنواع العذاب حتى لفظ أنفاسه فرمي بالقرب من السكة الحديدية بالعجيبة سنة .1957

(2)    محمد الأخضر عبد القادر السائحي ” قراءة جديدة في جريدة الجحيم ” صحيفة ” المجاهد الأسبوعي “  العدد: 1666 بتاريخ 10 جويلية 1992 ص:20

(3)     ينظر في العديد من المراجع، من جملتها: د. عمار الطالبي  “ابن باديس .. حياته وآثاره” ط 4، الشركة الجزائرية لصاحبها الحاج عبد القادر بوداود، الجزائر 1997

(4)    ولد الإمام عبد الحميد ابن باديس يوم 5 ديسمبر 1889 بمدينة قسنطينة , تلقى العلوم على أيدي مشايخ المدينة, لينتقل سنة 1908 إلى تونس لإكمال دراسته في جامع الزيتونة حيث أخذ العلم عن الشيخين محمد النخلي والطاهر بن عاشور . تحصل على الإجازة سنة 1912 لينتقل إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج، وقد استقر بعض الوقت بالمدينة المنورة، ليعود إلى بقسنطينة سنة 1913 حيث خصص كل وقته للتدريس والصحافة وهو صاحب شعار ( الإسلام ديننا والعربية لغتنا والجزائر وطننا ) أسس جريدة “المنتقد” بقسنطينة يوم 2 جويلية سنة 1925م حيث يسهر على تحريرها نخبة من الشبيبة الجزائرية، ويدير شؤونها الإدارية السيد أحمد بوشمال، ويوجهها الإمام عبد الحميد ابن باديس، أوقفتها السلطات الاستعمارية يوم 29/10/1925 وإثر ذلك أصدر صحيفة ثم مجلة  ” الشهاب” ابتداء يوم 12/11/1925 إلى أن توقفت عن الصدور في اوت 1939. وكان له الدور الفاعل في تأسيس  “جمعية العلماء” سنة 1931

(5)    محمد البشير الإبراهيمي رفيق بن باديس في الكفاح، من مواليد قرية راس الوادي  بولاية البرج يوم 19 يونيو 1889. تلقى تعليمه على يد والده , انتقل سنة 1911 إلى المدينة المنورة حيث تعمق في العلوم الإسلامية واللغوية ثم انتقل إلى دمشق وعاد إلى الجزائر سنة 1921 حيث بدأ نشاطه الإصلاحي والتربوي بمدينة سطيف , اتصل بابن باديس وأسس معه جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. تولى رئاسة الجمعية بعد وفاة الشيخ ابن باديس سنة 1940 وهو منفي بمدينة آفلو , ندد بمجازر 8 ماي 1945 فاعتقلته السلطات الاستعمارية  وكان يكتب افتتاحية جريدة البصائر .. لسان حال الجمعية .. انتقل إلى المشرق سنة 1952 ليشرف على بعثات جمعية العلماء . وعندما اندلعت الثورة أيدها ولم يعد للجزائر إلا بعد الاستقلال . توفى تحت الإقامة الجبرية يوم 16 افريل 1964

(6)     ينظر بهذا الصدد : عبد الرحمن بن إبراهيم بن العقون ” الكفاح القومي  والسياسي  من خلال مذكرات معاصرة،  الفترة الأولى 1920ـ1936″ المؤسسة الوطنية للكتاب 1984

(7)           م.لا.ع.ق. السائحي، المرجع السابق.

(8)     محمد السعيد الزاهري شاعر وصحافي، من مواليد ليانة بولاية بسكرة يوم 18 سبتمبر 1900، من أسرة علم مشهورة، تلقى تعليمه في مسقط رأسه ثم قسنطينة فتونس، أصدر سنة 1925 صحيفة ” الجزائر” التي أوقفت بعد ثلاثة أعداد ثم أصدر صحيفة ” البرق” سنة 1927 ، ساهم سنة 1931 في تأسيس “جمعية العلماء المسلمين”  قام إلى جانب محمد الأمين العمودي بتأسيس صحيفة “الجحيم” ، انفصل عن الجمعية سنة 1937 وفي ماي 1938 أصدر صحيفة ” المغرب العربي” التي صودرت  بعد خمسة أعداد ليصدر بعد ذلك من وهران صحيفة ” الوفاق”  وفي سنة 1947 أصدر من جديد “المغرب العربي” لتدافع عن مبادئ “حركة انتصار الحريات الديمقراطية” وبعد توقيفها ساهم سنة 1950 ساهم في إصدار الصحيفة الهزلية “عصا موسى” للرد على صحيفة “الشعلة” التي أصدرها الشهيد أحمد رضا حوحو، وكأن التاريخ يعيد نفس معركة “المعيار” و “الجحيم” وفي سنة 1956 أعاد إصدار “المغرب العربي”  لتكون قريبة من المصاليين الأمر الذي جلب له غضب جبهة التحرير، قتل يوم 21 ماي 1956.

(9)     حمزة بوكوشة شاعر وصحفي من مواليد وادي سوف سنة 1908 وتوفى سنة 1994 أحد مؤسسي جمعية العلماء، من محرري جريدة “البصائر”

(10)       محمد الصالح خبشاش شاعر وصحفي من مواليد أولاد يعقوب بولاية قسنطينة سنة 1904 وتوفي سنة 1939

(11)       المقصود بذلك صحيفة ” المعيار”

(12)       صحيفة “الجحيم” كلمة أولى.. أما بعد ، العدد الأول ، بتاريخ 30 مارس 1933

(13)      .لا.ع.ق. السائحي، المرجع نفسه.

(14)    جوكلاري محمد الشريف Juglaret Mohamed Chérif، هو جان لوي جوكلاري ولد بفرنسا سنة 1904 استقر بمدينة بسكرة وبها تعرف على الإسلام وحضارته، حيث أسلم وحسن إسلامه، استقر بمدينة الجزائر سنة 1931 وبما أن السلطات الفرنسية كانت تضع العراقيل القانونية لإنشاء الصحف ، من ضمنها ضرورة تمتع المتصرف بالجريدة وصاحب امتيازها بالجنسية الفرنسية فقد قرر جوكلاري الفرنسي أن يساعد كل من يريد أن ينشئ صحيفة من رجال الإصلاح، وبهذه الصفة فهو صاحب امتياز الصحف التالية: ( المرصاد.. 1931 ـ الجحيم..1933 ـ الحياة..1933 ـصوت الشعب..1933 ـ La Défense ..1934 ـ La Justice  .. 1935 ـ الليالي.. 1936 ) وانضم إلى صفوف ثورة أول نوفمبر 1954 حيث استشهد سنة 1958 .

(15)        لا.ع.ق. السائحي، المرجع نفسه.

(16)    محمد العيد آل خليفة من أكبر شعراء الجزائر في القرن العشرين، من مواليد 28 أوت سنة 1904 بعين البيضاء وتوفى يوم 31 جويلية سنة 1979

(17)       صحيفة “الجحيم” أنشودة العجان، العدد الرابع ، بتاريخ 30 أفريل 1933

(18)       صحيفة “الجحيم” كبول خدع الناس، العدد السادس ، بتاريخ 04 ماي 1933

(19)       لا.ع.ق. السائحي، المرجع نفسه.

(20)       صحيفة “الجحيم” كلمة أولى.. أما بعد، العدد الأول ، بتاريخ 30 مارس 1933

(21)       تعبير تهكمي عن علماء السنة: السينية: طبق للأكل

(22)   الشيخ محمود كحول صحفي ومفتي من مواليد قسنطينة سنة 1875 ناصب جمعية العلماء العداء، قتل سنة 1936 وحاولت السلطات الفرنسية أن تنسب ذلك لبعض أعضاء جمعية العلماء، لكنها باءت بالفشل.

المجلة الجزائرية للعلوم السياسية والاعلام

Cpm Affiliation : the cpm advertising network

عن خالد ميمون

مدون جزائري. مستشار تقني في الاتصالات , مهتم بالتقنية المجتمع و الدين, يدون بشكل غير منتظم في مدونة البريد اليومي , ذو خبرة في مجالات : الاتصالات , الشبكات , الخوادم ,تصميم مواقع الانترنت الديناميكية و الحلول المخصصة, أنظمة لينيكس و البرامج مفتوحة المصدر.