الإثنين , 20 نوفمبر 2017
العربيةFrançaisEnglish
الرئيسية > مدونات > أحجية الحياة

أحجية الحياة

بسم الله الرحمن الرحيم تدوينة للكاتبة عبد الدايم كريمة

تبدو الحياة للبعض كالبحر الذي يتيهون فيه طويلا قبل ان يتعلمو السباحة، وللبعض الآخر كرقعة شطرنج وهم مجرد قطع تحركها الظروف كيفما شاءت. أما الحياة بالنسبة لي فهي كصورة أحجية (Puzzle)، حيث يلزمك الكثير من القطع لكي تكون صورة متناسقة متكاملة لحياتك.

puzzle pieces

وعلى عكس صورة الأحجية، فان الحياة غالبا لا تعطيك القطع المبعثرة لترتبها على شكل صورة صحيحة، بل انت من عليك ان تبحث عن تلك القطع بنفسك، وان تحاول ترتيبها بطريقة جيدة لتعطيك الصورة المطلوبة لحياتك. و على عكس لعبة الاحجية أيضا، فانه ليس من السهولة في الحياة الواقعية إيجاد كل القطع، بل حتى و ان وجدت جميعا فليس من السهل أيضا إيجاد ترتيبها الصحيح.

في ريعان شبابك يكون لديك الكثير الكثير من القطع الجميلة الملونة الصاخبة ولكنها تشكل مجموعة عشوائية بحيث يكون من المستحيل ان تركب بها صورة مقبولة، و مع ذلك تعجبنا بهرجة تلك الصور و لا نشغل انفسنا كثيرا بترتيبها، و كل ما يهمنا اننا وجدنا قطعا جميلة. وكلما تقدم بنا العمر،

تبدأ تلك القطع بأخذ اشكال أخرى، فبعضها تبهت الوانه فلا يعود صالحا لتركيب الصورة، وبعضها نتخلى عنه لأنه لم يعد يعجبنا ونبدأ بإيجاد قطع جديدة رغم انها ليست بجمال التي وجدناها في شبابانا الا انها تشكل صورة أوضح لحياتنا.

وحين نبلغ سنا معينة، و بعد سنين كثيرة من التأجيل -اعتقادا منا بانه مازال لدينا من الوقت ما يكفي لنعيشه و نجمع قطعا اكثر-  نجد انه بات من الضروري ان نبدأ في تشكيل تلك الصورة ، صورة حياتنا و الا فلن يكون لحياتنا أي معنى ، نبدأ بالتأمل في القطع التي جمعناها على مر السنين ـ و يعز علينا التخلي عن بعضها رغم انه ليس ضروريا- و نبدأ بتشكيل صورة حياتنا… و في حين اننا اعتقدنا اننا قد بلغنا من النضج ما يسمح لنا بتركيب تلك الصورة بسهولة بالغة ، الا اننا نفاجا ان القطع ليست كلها مناسبة ، قطع ناقصة ، قطع لا تنتمي الى صورتنا و قطع ليست في مكانها الصحيح…

وبصعوبة بالغة نركب تلك الصورة والتي يظل الكثير ينقصها، وأحيانا نركبها بطريقة هشة تسمح لبعض القطع بالوقوع دون ان نلاحظ، وتسمح لأخرى بأخذ مكان غير مكانها فقط لسد الفراغ … ولان الامر بتلك الصعوبة فان البعض قد يتخلى عن هذه المهمة نهائيا، و يكتفي بالعيش على القطع المبعثرة فهي – بحسب رأيه – تفي بالغرض.. ولكن الأسوأ هم الناس الذين يصلون الى آخر العمر ولا ينتبهون أصلا الى انهم لا يملكون أي قطع لصورهم، ولكنهم حين يكتشفون ذلك أخيرا، فانهم يكتشفون أيضا انه قد فات الأوان على تركيب الصورة، فليس هناك قطع، ولم يتبقى من الوقت ما يكفي لجمع قطع أخرى …

Cpm Affiliation : the cpm advertising network

عن كريمة عبد الدايم

طالبة دكتوراه أدب انجليزي , مدونة مهتمة بالثقافة و الدين و المجتمع تدون بشكل غير منتظم على مدونة البريد اليومي